الاتفاق النووي الايراني يقود الامبريالية الامريكية للهيمنة على العالم

٢١ تموز يوليو ٢٠١٥

توصلت ادارة اوباما الاسبوع الماضي ، بعد عشرين شهرا من المفاوضات، الى اتفاق لمدة 15 عاما مع ايران و الصين و فرنسا و روسيا و المملكة المتحدة والمانيا لـ (تطبيع) البرنامج النووي الايراني. و حتى يتجاوز هذا الاتفاق المعارضة القوية من قبل بعض النخب الحاكمة في الولايات المتحدة، عليه ان يشكل تحولا تكتيكيا هاما يضمن تأثيرا بعيد المدى لصالح الامبريالية الامريكية .

سنة 1979 بدأت معارضة الولايات المتحدة القوية للثورة الايرانية منذ بدايتها اي منذ الاطاحة بالدكتاتور الدموي الشاه المدعوم من الولايات المتحدة، حيث كانت المعارضة للثورة في ايران ثابت من ثوابت السياسة الخارجية للولايات المتحدة ، كما كثفت واشنطن حملة ترهيب و تهديد لايران خلال السنوات ال 12 الاخيرة. و كان قرار غزو افغانستان و العراق البلدان الشرقية و الغربية المجاورة لايران على التوالي ، و قد اقترب جورج بوش مرتين من شن حرب على ايران .

سنة 2009 حاولت ادارة اوباما احداث تغيير للنظام في طهران بتحريض المعارضة للقيام "بثورة خضراء" بادعاءات مزيفة ان الانتخابات كانت مزورة. بعد سنتين، ضغطت واشنطن على حلفاءها الاوروبيين للانضمام للولايات المتحدة لفرض عقوبات اقتصادية اكبر من اي وقت مضى على طهران .

و لكن مقابل التنازلات الايرانية الان، وافقت واشنطن على تعليق العقوبات الاقتصادية على ان تخضع ايران لمدة 15 عاما لـ "تطبيع" برنامجها النووي المدني.

كما اكد اوباما ان اتفاق الاسبوع الماضي يقتصر على القيود المفروضة على ايران، و اوضح وزير الخارجية الامريكي جون كيري و مسؤولين امريكيين اخرين ان الاتفاق عبارة عن وسيلة لاختبار نوايا ايران. فهدف الامبريالية الامريكية من سياسة المشاركة مع ايران سيكون مزيجا من الضغوط و الحوافز، بما في ذلك تدفق الاستثمارات الغربية ، و بهذا تكون امريكا قادرة على اشراك و تسخير ايران في مخططتها الاستعمارية.

ان قيادة الحزب الجمهوري و صحيفة الوول ستريت و اللجنة الامريكية الاسرائلية للشؤون العامة (ايباك) تعارض الاتفاق علنا و على الملأ. و يطالبون اوباما بان ينتزع ضمانات صارمه لخضوع ايران و يحذروا من تهميش البلاد الشرق اوسطية العميلة التقليدية للولايات المتحدة و خاصة اسرائيل و العربية السعودية.

ان ثرثرة الحزب الجمهوري ليست بالضرورة دليلا على النوايا الحقيقية لصناع القرار في الحزب الجمهوري، بل قد تكون مفيدة لاوياما لتحقيق مزيدا من التنازلات من طهران. مع انه من المؤكد ان الاتفاق النووي الايراني سينفذ .

ان النقاش بين اقطاب الحكم الامريكي الدكتاتوري حول الاتفاق النووي هو انعكاس للمشاكل المتزايدة التي تواجه الامبريالية الامريكية و هي تسعى من خلال العدوان و شن الحروب للتعويض عن التأكل النسبي لقوتها الاقتصادية و مواجهة تحديات مضاعفة لهيمنتها على العالم.

انتاب الطبقة الامريكية الحاكمة استياء عميق من نتائج الحروب الرئيسية الثلاثة التي شنتها الولايات المتحدة على الشرق الاوسط في العقد و النصف الاخير من الزمن. و في اوكرانيا فقد خاب امل واشنطن لان العقوبات التي

فرضتها على روسيا فشلت في تحقيق النتائج المرجوة. و مما اثار غيظ الادارة الامريكية موقف التحدي لها من اقرب حلفائها و بقيادة بريطانيا حيث وقعوا ، في وقت سابق من هذا العام، كأعضاء مؤسسين لبنك التنمية للبنى التحتية الآسيوي بادارة الصين .

كل ما ذُكر جعل ادارة اوباما و كل الطبقة الحاكمة للولايات المتحدة يبحثون عن اسلوب فعّال لخطة هجوم متكاملة. كما يمكن قول بعض الاشياء المؤكدة عن مسار الامبريالية الامريكية و الحسابات الاستراتيجية التي تكمن وراء التغيير في علاقات الولايات المتحدة مع ايران و الاثار المترتبة على هذا التغيير.

ان اوباما و النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة مصممون على الحفاظ على الهيمنة الامريكية على العالم بالقوة العسكرية.

و ما ينذر بالسوء ، تصريحات الرئيس المتكررة بان الحرب ستكون النتيجة الحتمية اذا فشل الحوار الدبلوماسي مع ايران . فجملة التعليقات تؤكد ان واشنطن ابعد ما تكون عن نبذ العنف و تشير الى طابع العلاقات الدولية القابلة للانفجار.

ان الهدف المركزي لاستراتيجية الامبريالية الامريكية هو الهيمنة على اوراسيا ، ذات المساحة الشاسعة من الارض و يسكنها تقريبا ثلثي سكان العالم . سعيا لتحقيق هذه الهدف، تنظر واشنطن الى ايران على انها الجائزة الاستثنائية و الاكثر اهمية . فايران تقع عند تقاطع ثلاث قارات ( اوروبا، اسيا و افريقيا)، و تسيطر على مضيق هرمز الذي يتدفق عبره 40% من النفط المصدر للعالم، و تتوسط اغنى مناطق الطاقة في العالم (اسيا الوسطى و الشرق الاوسط)، كما ان ايران نفسها تملك ثاني اكبر احتياط من الغاز الطبيعي و رابع اكبر احتياط من النفط.

لم يكن اختلاق النزاع مع ايران في برنامجها النووي حول العلاقات الايرانية- الامريكية و لا حول سيطرتها المنفردة على الشرق الاوسط فقط بل كان دائما يتضمن القضية الاشمل الا و هي علاقة الولايات المتحدة بالقوى الكبرى الاخرى بالعالم .

مع ان اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الاوسط قد قل كثيرا، الا ان واشنطن كثفت جهودها للحفاظ على سيطرتها على المنطقة التي تمد و توفر، القسم الاكبر من النفط ، للعديد من منافسيها الرئيسيين في اوروبا و اسيا بما فيهم الصين و اليابان .

و عندما يدعي اوباما، كما فعل مرارا و تكرارا، ان الحرب هي البديل الوحيد امام الامبريالية الامريكية للاتفاق النووي مع ايران فهذا يوضح الكثير، مع انها ليست كل اهداف واشنطن ، فهو (اوباما) و لمرة واحدة لم يكذب.

بعد ان بدأ يتكشف عدم نجاعة العقوبات ، واجهت واشنطن تحديا لاثبات صحة الذرائع للقيادة في العالم ، و بهذا لن يكون بامكانها الهروب بعيدا لتتفادي هزيمة جيو- سياسية نكراء. و الا فانها ستكون مضطرة لتتوسع بالعقوبات -

بمعنى آخر – الانتقام ممن ينتهك العقوبات بتجميد موجوداتهم و املاكهم خارج حدودهم في العالم و منع ايران من الوصول الى النظام المصرفي العالمي و الذي تحت السيطرة الامريكية - الاوروبية . و لتفادي هذا الفعل ، الذي قد يتحول بسرعة الى مواجهة عسكرية مع الصين او روسيا ، و لتجنب الحرب ، فالولايات المتحدة مضطرة للتخلي عن العقوبات و بالتالي كان لزاما علي ها التوجه لمناقشة المسألة.

منذ وقت طويل يخطط البنتاغون ليغامر بخوض هكذا حرب. و بينما لا علم للشعب الامريكي عن هذه المخططات ، فإن معظم تقارير المراكز الفكرية المختلفة اعترفت بصراحة ان حربا مع ايران ـ بلد حجمه اربعة اضعاف العراق و تعداد سكانه ثلاثة اضعاف العراق ايضا، و كدولة كبيرة لها مليشيات حلفاء لها خارج حدودها ـ بامكانها ان تهيج كامل منطقة الشرق الاوسط . و فوق ذلك تؤجج الفتنة المذهبية السنية ـ الشيعية ، و على الاقل ستشغل قطاعات عسكرية كبيرة من الجيش الامريكي لفترة طويلة. اخرا و ليس اخيرا، هكذا حرب سوف تثير معارضة شعبية عارمة في الولايات المتحدة ، فالتوترات الطبقية هي بالفعل حادة بعد عقود من السیاسات الرجعیة .

يبرر اوباما ان الامبريالية الامريكية تملك بديلا للحرب ارخص و انجع. علاوة على ذلك ، تفاخر وزير الدفاع اشتون كارتر يوم الاحد " انه (اي الاتفاق) لا يمنع الخيار العسكري " في المستقبل.

صُممت الاتفاقية مع ايران لتعطي الولايات المتحدة الحد الاقصى من النفوذ و التأثير على ايران و اقصى قدر من المرونة الاستراتيجية. فاذا تقاعست ايران و لم تثبت الطاعة الكاملة او اذا تغيرت الظروف فباستطاعة الولايات المتحدة العودة تلقائيا للبدء باجراءات تنفيذ العقوبات و المواجهة مع ايران. و علاوة على ذلك، فان مبررات و حجج اوباما لصالح ابرام الاتفاق النووي تستندعلى زعم واشنطن بحقها المفترض في شن حرب استباقية ضد ايران . فهو (اوباما) يؤكد ان اختبار نوايا ايران افضل من الشروع فورا بشن حرب قد تجلب اضرارا كبيرة على مصالح الامبريالية الامريكية الاستراتيجية .

و ترى ادارة اوباما ان ارتباط الغرب بايران كوسيلة لمنع طهران من الانجرار الى شراكة اوثق مع الصين و روسيا. فالصين الان بالفعل اكبر شريك تجاري لايران و روسيا الشريك الاستراتيجي العسكري الاكثر اهمية .

و للولايات المتحدة اولوية اضافية اي اذا كان بامكانها تجنيد الدعم الايراني لتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط تحت قيادة واشنطن .

فالولايات المتحدة و ايران قد تحالفوا سابقا ، على الاقل تكتيكيا، في دعم الحكومة العراقية (العميلة) و المليشيات الكردية في مواجهة الدولة الاسلامية في العراق و سوريا (داعش) .

كما ان الولايات المتحدة تعتزم استغلال الاتفاق النووي للضغط على ايران لمساعدتها في التوصل الى اتفاق سياسي في سوريا و الاستغناء عن نظام بشار الاسد البعثي و استبداله بآخر اكثر مطواعية و قبولا لمصالح الولايات المتحدة. فبعد الاتفاق سارت امريكا في الاتجاه المعاكس لسياستها السابقة حيث اعلن اوباما الاسبوع الماضي ان ايران " يجب ان تكون جزءا من المحادثات في حل النزاع السوري" .

فالمؤيديين لمناورة اوباما يهدفون منذ زمن بعيد لاسناد ايران وظيفة الخط الامامي للامبريالية الامريكية في الشرق الاوسط و كل اوراسيا. و هذا يعني العودة الى القهر الاستعماري كما كانت ايام الشاه.

للوصول لهذا الهدف، خططت واشنطن لاستغلال الخلافات و الفجوات المتجذرة داخل النظام البرجوازي الديني الايراني . و معروف تماما ان مقاليد الحكم في ايران الان بيد مجموعة ( التي يقودها الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني و المحسوب على المجموعة الرئيس الحالي حسن روحاني) التي حاولت منذ سنة 1989التقرب من واشنطن و تربطها علاقات وطيدة مع العواصم الاوروبية( .

ان الاتفاق النووي الايراني سيكثف فقط التناقضات في سياسة الولايات المتحدة الخارجية و يؤسس لصدامات في المستقبل .

بينما تكثف واشنطن ارتباطها مع ايران ، تحاول تهدئة و استرضاء حلفاءها التقليديين في المنطقة بالتقديم لهم عروض لمنظومات من الاسلحة الحديثة و المزيد من التعاون العسكري و الاستخباراتي. و بهذه الاجراءات تهدد طهران التي تواجه حاليا نقص حاد في التكنولوجيا العسكرية و ليس فقط مقارنة مع اسرائيل فقط بل ايضا مع المملكة العربية السعودية و حلفائها في الخليج ، و ذلك متلازما مع حملة الاعلام الامريكية الضخمة التي تهدف لتصوير ايران بالدولة البعبع المعتدية.

لا تستطيع الولايات المتحدة البقاء مكتوفة الايدي و القوى الاوروبية تتدافع مسرعة للعودة الى ايران، حيث وصل الى ايران سيجمار غابريل نائب المستشار و رئيس الحزب الديموقراطي الاشتراكي على رأس وفد من رجال الاعمال الالمان . و صرح وزير الخارجية الفرنسي بانه قريبا جدا سيلحق به.

للحصول على دعم النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة ، يؤكد اوباما على انه وافق فقط على رفع العقوبات الامريكية الاخيرة على ايران . اما العقوبات المفروضة تحت اسم معارضة الارهاب فستبقى و هذا يعني ان الشركات الامريكية لا زالت ممنوعة بشكل صارم من القيام باي اعمال تجارية في ايران.

فاذا لم تخسر الولايات المتحدة السباق في تأمين الاصول الايرانية ، فعليها اما المضي قدما في التودد و التقارب، رغم المعارضة القوية من حلفائها الحاليين في الشرق الاوسط، او العودة للمواجهة و الطلب من الاوروبيين و غيرهم ان يحذو حذوها.

هناك ايضا حسابات استراتيجية اخرى ، تتميز غالبيتها بطابعها العملي و بقصرالامد ، و تبدو مرتبطة بقرارات ادارة اوباما لاتمام الاتفاق الان، فلا احد يستطيع ان يطلق احكاما مؤكدة حول هذه الحسابات ، بما ان الاحداث متسارعة وسياسات واشنطن مليئة بالتناقضات .

مع ذلك ، ففي المقابلة المطولة لاوياما مع صحيفة نيويورك تايمز كان ملفتا للنظر ان رئيس الولايات المتحدة امتدح الرئيس فلاديمر بوتين قائلا انه لولا الدعم الروسي القوي لم يكن بالامكان الوصول للاتفاق مع ايران و انه تشجع من خلال المكالمة الاخيرة حين تحدث بوتين عن سوريا، و اضاف اوباما" هذا يعني ان بوتين يعرض علينا فرصة لمحادثات جادة معهم".

هل يحتمل ان اوباما اعتقد ان الاستجابة لمناشدة بوتين بشكل ايجابي لتخفيف التوتر في اوكرانيا ستكون مقابل تخلي روسيا عن الاسد في سوريا ؟ و هل من المحتمل ايضا انها ليست متعلقة بأزمة سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط فقط ، لكن ايضا مع تصاعد التوتر بين واشنطن و برلين؟ هل يحتمل ان تكون قذيفة انذار لالمانيا ؟

ارتبكت النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة كردة فعل لاسلوب المانيا المتعجرف في المفاوضات الاخيرة بين المانيا و اليونان و لم يكن هذا نابعا من الحرص الامريكي على مصالح الشعب اليوناني بل كان بسبب تأكيد برلين الواضح و الصريح على دورها الجديد في فرض النظام و الانضباط في اوروبا.

فاذا اختارت النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة في نهاية المطاف المضي قدما في الاتفاق الايراني، سيكون هذا من منطلق الوضع الافضل لها للصمود في وجه التحديات لهيمنتها، بما في ذلك الوسائل العسكرية، من قبل منافسيها الاقوياء ، و ليس فقط روسيا و الصين بل ايضا المانيا و اليابان، و باقي القوى الامبريالية.

كيت جونز