ترامب يعترف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان : ضوء أخضر لحرب شاملة

٢٦ آذار مارس ٢٠١٩

خلال الاختتام المتعجل لاحتفال البيت الأبيض الذي وقع فيه دونالد ترامب مرسوم اعتراف الولايات المتحدة الرسمي بضم إسرائيل غير القانوني لمرتفعات الجولان السورية هو فعل ، يبدو سطحياً أنه يغير القليل من الوقائع على الأرض في الشرق الأوسط لكن لا يجب على شخص ما بخس تقدير تداعياته بعيدة المدى الشاملة.

وفي إعلان موجز بحضور رئيس الوزراء الإسرائلي بنيامين نتنياهو أعلن ترامب " أن الولايات المتحدة تعترف بأن مرتفعات الجولان جزء من دولة إسرائيل".

وقال أن استيلاء إسرائيل غير المشروع على مرتفعات الجولان 1967 ، وضم الأراضي بشكل أحادي بعد 14 سنة ، والسعي المتواصل للسيطرة عليه جنبا إلى جنب مع العمليات العدائية لإنشاء مستوطنات يهودية ، والاستغلال الرأسمالي الاسرائيلي في الأرض كلها مبررة " بحاجة إسرائيل لحماية نفسها من سورية و من تهديدات إقليمية أخرى" بما في ذلك إيران.

يا له من هراء!. ترامب يقلب الحقائق في رأسه. إسرائيل استخدمت مرتفعات الجولان منصة لهجمات لا هوادة فيها ضد سورية، والذي تضمن قيام إسرائيل بتسليح ودعم ميليشيات إسلامية بما في ذلك داعش ، في الحرب في سبيل تغيير حكومة بشار الأسد، بالإضافة إلى آلاف الغارات الجوية التي اعترف بها رئيس أركان الجيش الإسرائلي في مطلع هذا العام.

إن اعتراف واشنطن " بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان" يأتي وسط تقارير عن عمليات تعزيز مستمرة لجيش الولايات المتحدة لاحتلاله الدائم لشرق سورية بما في ذلك أهم مناطق إنتاج النفط والغاز حتى بعد إعلان ترامب عديم القيمة في نهاية العام الماضي " أنه عازم على إعادة القوات إلى الديار" وسحبها من سورية . وخلال الأسابيع الأخيرة كان هناك تقارير أنه هناك ألف جندي ، مدعومين بعدد أكبر عبر حدود العراق، سيبقون على التراب السوري في حين شوهد قيام جيش الولايات المتحدة بشحن كميات واسعة من الأسلحة ومن المعدات إلى المنطقة التي تحتلها الولايات المتحدة.

وبكلمات أخرى فإن ترامب يعترف بضم إسرائيل مرتفعات الجولان في وقت تقوم فيه واشنطن بحتلال أراض سورية شرقي نهر الفرات ، وضمها.

على صعيد المدى السياسي القصير ، هدف فعل ترامب دون جدل لدعم حليفه اليميني نتنياهو الذي يواجه مجموعة من تهم الفساد واحتمال الهزيمة في انتخابات 9 أبريل على يد تحالف الجنرالات ضمن ما يسمى التحالف الأبيض – الأزرق الذي يرأسه رئيس الأركان السابق بني غانتز.

إن نتنياهو ، وهو رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير دفاعها معاً، قطع زيارته القصيرة إلى واشنطن بهدف أن يشاهد وهو يقود الهجمة الانتقامية ضد غزة رداً على صاروخ واحد لم يقتل أحداً الذي انكرت كل من حماس التي تدير القطاع والجهاد الإسلامي وهو قوى مسلحة كبرى أخرى مسؤوليتهما عنه.

شنت الطائرات الإسرائيلية غارات قصف في كل أرجاء قطاع غزة بما في ذلك مدينة غزة ذات الكثافة السكنية . وفي أفعال عقاب جماعي أخرى ، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإغلاق المعبرين الوحيدين في الأراضي التي تم إفقارها وصارت في الواقع سجناً مفتوحاً لمليوني فلسطيني ، ولقد أعادوا الصيادين الفلسطينيين بالقوة الذين كانوا يحاولون الصيد في ساحل المنطقة.

وأعلن مسؤولون من حماس ليل الإثنين أنهم توصلوا إلى اتفاقية وقف النار بوساطة مصر لكن تل أبيب ظلت صامتة حول هذه القضية. ويقوم كل منافسي نتنياهو في الانتخابات بمهاجمته ، بدءاً من اليمين الذينيتهمه بالفشل في اتخاذ إجراءات دموية كافية للقضاء على المقاومة في غزة. كما أن قادة حزب العمال، الذي يعتبر "اليسار" البورجوازي في إسرائيل ، أدانوا نتنياهو بوصفه " رجل كلام لا أفعال" . كما أن قوات الدفاع الإسرائيلية قامت ، خلال هذا ، بتعزيز فرقتها في غزة بألف عنصر إضافي إلى جانب قواة مشاة إضافية و لواء مدرع ، وحذر مسؤولون كبار من أن كل الخيارات مطروحة على الطاولة.

إن اعتراف ترامب بضم إسرائيل مرتفعات الجولان سيستخدم في المقام الأول لتغذية العدوان العسكري الإسرائلي في الأراضي المحتلة وفي سائر أرجاء المنطقة. كما أنه سيدفع المسار المتجه نحو اليمين بالفعل في إعداد التحول السياسي الرأسمالي لإسرائيل حتى نحو الفاشية الصريحة.

وفي الانتخابات الحالية رأينا نتنياهو يتحالف مع الحزب الفاشي أوتزما يهوديت ( القوة اليهودية) وهو فرع من حزب كاش الذي أسسه مئير كاهانا والذي صنفته وزارة خارجية الولايات المتحدة بوصفه منظمة إرهابية. وبالتعاون مع الصهاينة المتدينين في حزب الوطن اليهودي، يؤيد تحالف نتنياهو التطهير العرقي للسكان الفلسطينيين وطردهم من من اسرائيل والأراضي التي تحتلها إسرائيل بهدف متابعة هدف "إسرائيل الكبرى"، وهو مشروع إمبريالي واستعماري مرتبط بإخضاع الشرق الأوسط لمصالح إمبريالية الولايات المتحدة والتحضير لحرب ضد إيران.

إن التحول نحو سياسات فاشية علنية ، مرتبط بنمو النزعة العسكرية في إسرائيل كما هو الحال على الصعيد الدولي ، لا لبس فيه في الانتخابات الإسرائيلية الحالية. شملت دعاية الحملة إعلانًا تلفزيونيًا يظهر وزيرة العدل آيليت شاكد من أقصى اليمين في البلاد ترش نفسها بزجاجة عطر من ماركة " الفاشية" ثم التفتت إلى الكاميرا و صرحت " بالنسبة لي رائحته مثل الديمقراطية" . و يظهر في إعلان حملة أخرى عضو يمينيفي الكنيست هو أورين هازان ، حيث قال في محاكاة ساخرة لفيلم لكلينت أستوود ، وهو يطلق النار حتى الموت على جمال زهالقة وهو فلسطيني من مواطني إسرائيل يحتل مركز بارز في الكنيست ممثلاً حزب " البلد".

فيما يتعلق بمرتفعات الجولان لا شك أن مرسوم ترامب سيحفز مسيرة إسرائيل لاستئصال ما تبقى من سكان المنطقة الأصليين. كان قرابة 130 ألف سوري فروا للنجاة بحياتهم عندما غزت إسرائيل الجولان في 1967. أما الخمسة وعشرين ألف من العرب الدروز الذين بقوا فقد رفضت غالبيتهم محاولات تل أبيب إجبارهم على قبول الجنسية الإسرائيلية وهم مصرون على أنهم سوريون.

يوم السبت تظاهر المئات في بلدة مجدل شمس في مرتفعات الجولاناحتجاجاً على مرسوم ترامب الذي صدر مؤخراً. وقال شخص لوسائل الإعلام " من هنا نقول إن (مرتفعات ) الجولان عربية وسورية ولا يمكن لترامب أو أي شخص آخر تحديد مصيرها". وقال آخر " هو يريد منح أراض لإسرائيل وبإمكانه منحها ولاية أو ولايتين في أمريكا.

وخلال جولة للوزير مايك بومبيو إلى الشرق الأوسط حملته إلى كل من إسرائيل ولبنان الأسبوع الماضي طرح عليه سؤال من قبل مراسل إن كانت الولايات المتحدة تعتمد سياسة مزدوجة المعايير من خلال اعترافها بسيادة إسرائيل على أراض تم الاستيلاء عليها من سورية في حين تستخدم ضم روسيا للقرم حجة لفرض عقوبات ولتصعيد عدواني للتهديدات العسكرية من قبل الناتو دون مراعاة أن سكان مرتفعات الجولان رفضوا الاحتلال الإسرائيلي طوال 50 عام في حين رحبت أغلبية سكان القرم بالجنسية الروسية.

" لا على الإطلاق ، رد بومبيو بغباء. " ما قام به الرئيس بالنسبة لمرتفعات الجولان هو اعتراف بالواقع على الارض وبالوضع الأمني الضروري لحماية دولة إسرائيل ، هذا هو الأمر بكل بساطة".

كان الاعتراف " بالواقع على الارض" وبما كان ضروري " للوضع الأمني" للدول بالتحديد هو المنطق الذي قاد إلى عمليات إلحاق أراضي قادت إلى مقتل مئات الملايين في النصف الأول من القرن العشرين .

يرى المؤرخون أن ضم البوسنة والهرسك من قبل الإمبراطورية النمساوية الهنغارية كان المقدمة للحرب العالمية الأولى ، في حين أن سلسلة عمليات الضم التي نفذها النظام النازي في ألمانيا مهدت للحرب العالمية الثانية.

كان الاعتراف بهذه "الحقائق " التاريخية في أعقاب الحرب العالمية الثانية هي التي دفعت القوى الكبرى لتعديلاتفاقيات جنيف ولتبني ميثاق تأسيسي للأم المتحدة هدف إلى منع عمليات ضم مماثلة ، ورفض كل التهديدات التي تمس وحدة أراضي الدول القائمة .

وخلال التحضيرات لحرب عالمية ثالثة تحولت هذه المبادىء التي قبلت بشكل رسمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلى كومة من الخردة. إن مباركة إدارة ترامب للاستيلاء على الأراضي السورية في الجولان من قبل اسرائيليمهد الطريق أمام الغزوات الجديدة والأكثر دموية وعمليات الضم وإحياء الاستعمار الصريح للقرن الحادي والعشرين.

تحاول إمبريالية الولايات المتحدة إضفاء شرعية على جريمتها التي تعود إلى نصف قرن مضى بهدف تمهيد الطريق لحروب أوسع بكثير في الشرق الأوسط. لكن فعلها حدث وسط تصاعد مستمر في الصراع الطبقي في سائر أرجاء المنطقة انطلاقاً من الاحتجاجات الجماهيرية والإضرابات التي هزت الجزائر ، إلى نضال المعلمين وغيرهم من العمالالتي تحدت النظام الملكي في المغرب، إلى نضالات العمال في إيران ، وصولاً إلى الاحتجاجات ضد الأوضاع الاجتماعية المتدهورة في غزة و إضرابات عمال سكك الحديد في إسرائيل ذاتها في تحد للصفقات بين الدولة وبين النقابة الرسمية الهستدروت.

إن الرد الوحيد على مخاطر الحرب والفاشية تكمن في التحشيد السياسي المستقل للطبقة العاملة. إن الرد على الجنوح إلى اليمين في واشنطن وتل أبيب فرض ضرورة ملحة لتوحيد العمال العرب واليهود في النضال في سبيل فيدرالية اشتراكية في الشرق الأوسط بوصفه جزء من النضال لوضع حد للرأسمالية عبر أرجاء العالم.

بيل فان أوكن